هلال بن محسن الصابي

84

الوزراء

مجلس الوزير أبى الحسن إلا ليلا ، فحضرت يوما نهارا لأمر سألنيه ابن أبي البغل ، فوجدت عنده المحسن ابنه ، فلم أخاطبه بشئ خوفا من بوادره وشرّه ، حتى نهض وخلا المجلس ، فقلت له : ابن أبي البغل يعلم محلّى من الوزير ، وصار إلىّ البارحة ليلا فقال لي : لم أجد من آمنه على نفسي غيرك ، وقد قصدتك لتستأذن لي الوزير في الخروج إلى عبّادان لأقيم بها وألبس الصوف وآمن على نفسي . قال : وإذا المحسن قد عاد ، فأمسك أبو الحسن حتى قام ، ثم قال : قد عرفت ذنبه إلا أنه قد لزمك ذمامه « 1 » ، ومن لزمك ذمامه التزمناه ، لأنك واحد منا ، وغير منفصل عنا ، فلا تعلمنّ بهذا أحدا ، وهذا صكّ على ابن فلانة بثلاثة آلاف درهم فيجعلها نفقته . قال : فأخذت الصكّ وخطّه بالإذن له ، وعدت إلى الدار فوجدت ابن أبي البغل قد صعد السّطح ، وألقى نفسه في خربة تجاورنا ومضى . فعدت إلى الوزير وحدثته بالصورة ، فأخذ الصّكّ وأمر بطلبه وقال : واللّه لو قتل أولادي جميعا ثم دخل دارك لكان ذلك أمانا له وحقنا لدمه . وحكى أن ابن الفرات اجتاز يوما في بعض الطرق ، فاتفق أن سار تحت ميزاب « 2 » ، فوقع عليه منه ما لوّث ثيابه وسرجه ودابّته ، فوقف في الطريق ، وأنفذ إلى داره من يحضره خلعة ثياب أخرى ، فرآه رجل عطّار كان في الموضع ، فقام إليه ، وسأله أن يدخل إلى منزله ويقيم فيه إلى أن يعود الرسول بالثياب . ففعل وأقام عنده ، وخلع ما كان عليه ، وتنظف بالماء مما كان أصابه ، وأحضره الغلام الثياب فلبسها ، ثم سأله العطّار أن يأذن له في إحضار بخور يتبخّر به ، فأذن له ، وركب أبو الحسن . ومضت الأيام ، فلما ولى الوزارة كانت حال العطّار قد اختلّت

--> ( 1 ) الذمام : الحرمة والحق ( 2 ) الميزاب : القناة يجرى فيها الماء .